السيد محمد باقر الصدر

98

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

يصلح لتفسير الواقع غير أنّ ذلك لا يعني قبوله ما دام من الممكن أن نفسّر سلوك هذا الشخص في ضوء آخر ، كما إذا افترضنا أنّه يزور صديقاً له يسكن بيتاً في ذلك الشارع ، أو يراجع طبيباً يقطن في تلك المنطقة ليستشيره في حالة مرضية ، أو يقصد مدرسة معيّنة تُلقى فيها المحاضرات بصورة رتيبة . وهكذا الأمر في التفسير الماركسي للتأريخ ( / المادية التأريخية ) ، فإنّه لا يمكن - حتّى إذا افترضنا كفاءته لتفسير الواقع التأريخي - أن يكتسب الدرجة العلمية أو الوثوق العلمي ما لم يخرج عن كونه افتراضاً ، ويحصل على دليل علمي يدحض كلّ افتراض عداه في تفسير التأريخ . ولنأخذ تفسير المادية التأريخية للدولة مثالًا لذلك ، فهي تفسّر نشوء الدولة ووجودها في حياة الإنسان على أساس العامل الاقتصادي والتناقض الطبقي ، فالمجتمع المتناقض طبقياً يلتهب فيه الصراع بين الطبقة القوية المالكة لوسائل الإنتاج والطبقة الضعيفة التي لا تملك شيئاً ، فتقوم الطبقة الغالبة بإنشاء أداة سياسية لحماية مصالحها الاقتصادية والحفاظ على مركزها الرئيسي ، وهذه الأداة السياسية هي الحكومة بمختلف أشكالها التأريخية . وهذا التفسير الماركسي للدولة أو الحكومة لا يكتسب قيمة علمية مؤكَّدة إلّا إذا أفلست كلّ التفاسير التي يمكن أن يبرّر بها نشوء الدولة في المجتمع البشري ، سوى كونها أداة سياسية للاستغلال الطبقي . وأمّا إذا استطعنا أن نفسّر هذه الظاهرة الاجتماعية على أساس آخر ، ولم يدحض الدليل العلمي ذلك فليس التفسير الماركسي عندئذٍ إلّاافتراضاً من عدّة افتراضات . فلن يكون التفسير الماركسي للدولة تفسيراً علمياً إذا أمكن مثلًا أن نفسّر نشوء الدولة على أساس تعقيد الحياة المدنية ، ونبرّر بذلك قيام الدولة في كثير من المجتمعات البشرية . ففي مصر القديمة - مثلًا - لم تكن الحياة الاجتماعية فيها